أخبار وطنية

المحاماة بين ثقل السلطة وسيف القانون … قراءة في صراع النخب وتفكيك النقابات

بقلم: الدكتور عبدالرحيم موهوب.

يقول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي في تأمله لآليات السيطرة داخل المجتمعات الحديثة، أن الهيمنة لا تتحقق بالقوة المجردة بل بقدرة الطبقة المسيطرة على فرض قيمها ومعاييرها الثقافية كحقائق طبيعية وبديهية، حتى يصبح الخضوع لها اختيارا حرا، وفي هذا السياق يحضرنا التساؤل الجوهري، ومؤداه هو كيف يمكن لقانون يهدف ظاهريا إلى تنظيم مهنة المحاماة أن يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل النخبة القانونية وتفكيك نسيجها النقابي، تحت غطاء التشريع والإصلاح.

فمنذ أن صدر الأمر بتنفيذ القانون رقم 66.23 في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 غشت 2026، دخلت مهنة المحاماة المغربية مرحلة جديدة، لم تكن مجرد تحديث قانوني اعتيادي، بل كانت إعلان حرب مفتوحة على استقلالية النقابة، وتفكيكا لسلطتها الرمزية التي ظلت لعقود تمثل رقما صعبا في معادلة التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، وما أحوجنا اليوم في هذا المقام إلى التذكير بمقولة بيير بورديو، الذي رأى في الحقل القانوني ساحة صراع يتبارى فيها الفاعلون على فرض تعريفهم للواقع وللعدالة، حيث لا وجود لقانون محايد بل هناك قانون يخدم مصالح الفاعلين الأقوى في هذا الحقل.

لقد جاء هذا القانون بعد مسار تشريعي مضطرب، بدأ بجلسات حوار مؤسساتي سنة 2024 بمقر مجلس النواب، وسرعان ما تحولت إلى مبادرة حكومية أحادية حين تفردت وزارة العدل بإعداد مسودة ثانية صادق عليها المجلس الحكومي في دجنبر 2025، دون أن تعكس التوافقات التي أفرزتها جلسات الحوار السابقة، مما خلق انطباعا واسعا داخل الأوساط المهنية بأن المشروع انتقل من منطق التشاور المشترك إلى منطق المبادرة الحكومية الأحادية، ثم تلى ذلك إضرابات وشلل في المحاكم، ومرورا بمصادقة برلمانية مثيرة للجدل، حيث صادقت لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب على المشروع بأغلبية 17 نائبا مقابل معارضة 5، ثم صادق عليه مجلس النواب بكامل هيئته بأغلبية 85 نائبا مقابل 35.

ثم بعدها وصل إلى عثرة إجرائية أمام المحكمة الدستورية حين أصدرت قرارها بتعذر البت في دستورية المشروع بسبب خلل في الإحالة، حيث لم تتضمن النسخة النهائية للقانون كما صادق عليه مجلس المستشارين، ثم النشر في الجريدة الرسمية رغم كل الاعتراضات، وهذا المسار يعكس رغبة السلطة في فرض الإرادة بالقوة، متجاوزة كل الاعتراضات النقابية والتساؤلات الدستورية، وهو ما يذكرنا بمفهوم الثورة السلبية عند غرامشي، حيث تحدث النخبة الحاكمة تغييرات اجتماعية واقتصادية معزولة عن أي إصلاح سياسي حقيقي، وذلك بهدف الحفاظ على النظام القائم وتجديد هيمنتها دون تغيير جذري في بنى السلطة.

إن محاولة إخضاع ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، والتي هي واحدة من أبرز المقتضيات الخلافية في القانون الجديد، تحمل في طياتها أكثر من مجرد رغبة في الشفافية المالية، فهي محاولة لاختراق الحصن الرمزي للمحاماة وفضح خصوصياتها المالية، وكسر الحواجز التي تفصل بين النقابة والدولة، وكما يرى ميشيل فوكو فإن السلطة لا تمارس فقط بالقمع، بل بالمراقبة والتدقيق وجمع المعلومات، وهي استراتيجية تهدف إلى إنتاج خطاب جديد عن المحامين بوصفهم فئة غير جديرة بالثقة، مما يبرر تدخل الدولة في شؤونهم الداخلية.

وقد صرح وزير العدل صراحة بعدم ثقته هذه معتبرا أن تدخل المجلس الأعلى للحسابات ضروري لحماية أموال المواطنين، وهو خطاب يهدف إلى تحويل الرأي العام ضد المحامين وتجريدهم من مكانتهم الرمزية، وهنا يبرز دور المؤسسات الدولية، حيث جاءت مراسلة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، مارغريت ساترثويت في 24 فبراير 2026، لترصد بمنطق قانوني قاطع محاولات فرض وصاية إدارية على مهنة الأصل فيها التنظيم الذاتي، محذرة من أن مواد التكوين والتقييم ليست سوى محاولة لتحويل فرسان العدالة إلى موظفين ببدلات سوداء ينتظرون الضوء الأخضر من السلطة التنفيذية.

إن تعميم وزير العدل التهديد عن الذين عبروا في كتاباتهم عن عبارات من قبيل فراقشية التشريع والخونة والعملاء كما جاءت في تدوينات بعض المحامين، ثم التلويح بإحالتهم على النيابة العامة بتهم جنائية، يمثل تجسيدا حيا لما وصفه عالم النفس الاجتماعي إرفينغ غوفمان بـشيطنة الخصم، حيث يتم تحويل النقاش من مستوى المطالب المهنية العادلة إلى مستوى الاتهامات الأخلاقية، وهذه الاستراتيجية التي لجأ إليها الوزير في رده على انتقادات المحامين، تهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة لا بالحجة والبرهان، بل بالترهيب القضائي والتهديد بالمتابعة الجنائية.

وهو ما يذكرنا بمقولة الفيلسوف جون ستيوارت ميل في أن إسكات أي رأي هو سرقة للجنس البشري، خاصة عندما يأتي هذا التكميم من وزير العدل الذي يفترض أن يكون حاميا للحقوق لا معتديا عليها، وقد أكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في مذكرتها الترافعية حول مشروع القانون الصادرة في 4 فبراير 2026، أن القانون الجديد يخل بمبادئ استقلالية المحاماة، وأنه يحتوي على اختلالات تشريعية جوهرية تتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة باستقلالية مهنة المحاماة وحق الدفاع.

إن ما تعرض له المحامون في هذا القانون لا يمكن اختزاله في بعض المقتضيات الإجرائية أو المالية، بل هو اعتداء منهجي على دورهم كركيزة أساسية للدولة الدستورية، فالقانون الجديد كما تؤكد تحليلات خبراء القانون الدستوري، يخضع استقلالية المحاماة لوصاية تشريعية جديدة، حيث تفرض رقابة خارجية على حسابات الودائع التي كانت تعتبر جزءا من السر المهني، مما يفتح الباب أمام تدخل الدولة في التفاصيل المالية لعمل المحامي، وهو ما يهدد حياده واستقلاله عن السلطة.

وقد عبرت جمعية هيئات المحامين عن ذلك في بلاغاتها المتعاقبة، مؤكدة أن الأزمة لا ترتبط فقط بمضمون القانون، بل أيضا بطريقة إعداده وغياب أي تشاركية حقيقية في مناقشته، وأن القانون الجديد يحمل في طياته مقتضيات تلتف على القيم الكونية للمهنة، وتضيق على حرية المحامي في أداء مهامه، وتمس استقلاله وحصانته، وتضعف المؤسسات المهنية، وتكرس تغول السلطة التنفيذية، وكما يقول الفيلسوف هيغل فإن صراع الاعتراف هو صراع وجودي، والمحامون اليوم يخوضون هذا الصراع دفاعا عن وجودهم كفاعلين مستقلين في المجتمع، وليس كموظفين عموميين يخضعون لأوامر السلطة.

إن غاية هذا القانون في جوهره العميق، تتجاوز تنظيم مهنة المحاماة إلى ما هو أبعد، إنها تستهدف النخبة المثقفة التي تمثلها المحاماة، وتعمل على تفتيت قوتها النقابية التي ظلت لعقود تمثل رقما صعبا في المعادلة السياسية. فالمحامون بوصفهم فئة مثقفة ومنظمة ومؤثرة في الرأي العام، يشكلون خطرا على أي سلطة تسعى إلى الهيمنة المطلقة، لأنهم يمتلكون القدرة على ترجمة هموم الناس إلى خطاب قانوني، وتحويل النزاعات الفردية إلى قضايا عامة.

وكما يرى يورغن هابرماس فإن المثقفين والنخب المهنية هم حراس المجال العمومي، وهم الذين يمنحون الشرعية للقرارات السياسية عبر النقد والمراقبة. وعندما تسعى السلطة إلى إخضاع هذه النخبة وتفكيك مؤسساتها، فإنها تضرب جوهر الديمقراطية وتقوض أسس الدولة الحديثة القائمة على التوازن بين السلطات والفاعلين الاجتماعيين. وهذا يذكرنا بما وصفه غرامشي بـالهيمنة الثقافية، حيث تسعى الطبقة الحاكمة إلى فرض سيطرة الدولة ليس بالقمع المباشر فقط، بل بإعادة تشكيل وعي الجماعات المهنية وإقناعها بشرعية تبعيتها، عبر إضفاء طابع قانوني على الإخضاع وتحويله إلى حس سليم يقبله المجتمع كأمر طبيعي، وإن هذا القانون بتقييده لاستقلالية المحاماة وتهديده بتفكيك نقاباتها، إنما يسعى إلى إنتاج نخبة جديدة أكثر ولاء للسلطة، وأقل قدرة على ممارسة دورها النقدي في المجتمع، وهو ما يعكس تحولا في استراتيجية الدولة من مواجهة النقابات عبر القمع المباشر إلى مواجهتها عبر التشريع والمراقبة والإخضاع المؤسساتي.

إن فرض شروط تعجيزية للولوج إلى المهنة، حيث تم رفع العتبة من الإجازة إلى الماستر وتحديد سقف ضيق للملتحقين، لا يخدم جودة العدالة بقدر ما يكرس ندرة الخدمة القانونية، مما سيرفع الأتعاب ويجعل العدالة سلعة فاخرة لا يقدر عليها المواطن العادي، وهذه الآلية التي تتسق مع ما وصفه غرامشي بـهندسة الموافقة، تعمل على إعادة إنتاج نخبة قانونية أكثر انسجاما مع رؤية السلطة، وأقل قدرة على تشكيل رأي عام ناقد لأنها ستكون مديونة للدولة التي منحتها فرصة الولوج إلى مهنة مرموقة.

كما أن إخضاع التعاضدية والممارسة المهنية لرقابة إدارية مشددة، يهدف إلى تفكيك شبكات التضامن المهني التي كانت تشكل العمود الفقري لاستقلالية المحامين، وتحويلهم إلى أفراد معزولين يواجهون الدولة كل على حدة، بدلا من مواجهتها كجبهة نقابية موحدة، وهذا ما يتسق مع استراتيجية حرب المواقع التي تحدث عنها غرامشي، حيث تسعى السلطة إلى السيطرة على مؤسسات المجتمع المدني ومن بينها النقابات، لتفريغها من محتواها النضالي وتحويلها إلى أدوات لتمرير أجندتها .

إن ما جرى ويجري في المغرب حول قانون المحاماة ليس مجرد صراع مهني، بل هو معركة حول مستقبل الدولة والمجتمع، وحول حدود سلطة الدولة واستقلالية المهن الحرة، وحول الهوية والنخبة والكرامة، وكما قال إميل دوركايم في تحليله لوظيفة الجماعات المهنية، فإن هذه الجماعات هي الضمير الجماعي للمجتمع، وحيثما تضعف المحاماة يضعف الشعور بالعدالة.

وإن إصرار السلطة على تمرير هذا القانون رغم كل الاعتراضات الداخلية والدولية، وتلويحها بتهديد المحامين بالمتابعة الجنائية وحل جمعيتهم، يشير إلى أن الدولة في المغرب تسير نحو نموذج أكثر مركزية وسيطرة، حيث يصبح القانون أداة لإخضاع النخب وتفكيك تنظيماتها، لا وسيلة لحماية الحقوق والحريات، وإن المحامين المغاربة بإضراباتهم التي استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر واحتجاجاتهم المتواصلة، يثبتون أنهم لن يكونوا مجرد أدوات في يد السلطة، وأنهم مستعدون لدفع الثمن دفاعا عن استقلاليتهم وكرامتهم، لأنهم يدركون أن القانون الذي يبدأ بإخضاع المحاماة، قد لا ينتهي إلا بفقدان كل مواطن حقه في محاكمة عادلة.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.