رضوان الرمضاني: الأحزاب المغربية تقتل نفسها بنفسها.. وتحول السياسة إلى سوق للتزكيات والمرشحين
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
أعاد الإعلامي رضوان الرمضاني، في تدوينة لافتة، طرح سؤال جوهري حول واقع الممارسة الحزبية في المغرب، منتقداً ما يعتبره تحوّلاً متزايداً لدى عدد من الأحزاب من منطق التأطير السياسي وبناء المشاريع والبرامج إلى منطق استقطاب المرشحين الجاهزين، بحثاً عن الفوز بمقاعد البرلمان، ولو على حساب المبادئ والهوية السياسية.
ويضع الرمضاني إصبعه على أحد أعطاب المشهد الحزبي، حين يرى أن الأحزاب لم تعد قادرة على تبرير ضعفها وعجزها بإلقاء المسؤولية على جهات أخرى، بعدما أصبحت، بحسب قراءته، تساهم بنفسها في إضعاف العمل السياسي وتشويه صورته أمام المواطنين.
من التأطير السياسي إلى “اصطياد” المرشحين
في الأصل، يفترض أن تكون الأحزاب السياسية فضاءات للتأطير والوساطة بين المجتمع والدولة، ومختبرات لإنتاج الأفكار وصياغة البرامج واقتراح الحلول. غير أن واقع المنافسة الانتخابية، وفق الانتقادات التي يطرحها الرمضاني، يدفع بعض التنظيمات إلى البحث عن المرشح الذي يملك حظوظاً انتخابية جاهزة، بدل الاستثمار في تكوين المناضلين وإعداد الكفاءات.
وهكذا تصبح الأولوية للمقعد الانتخابي، فيما تتراجع البرامج والأفكار والإيديولوجيات إلى الخلف.
وتتحول المنافسة السياسية، في هذه الحالة، من منافسة بين مشاريع ورؤى إلى منافسة على الأشخاص والمرشحين والتزكيات، بما يجعل الحزب أقرب إلى فريق انتخابي يبحث عن عناصر قادرة على “اللعب” والفوز، بدل كونه مؤسسة سياسية لها مشروع واضح ومحدد.
التزكية تتحول إلى غاية
الانتخابات يفترض أن تكون محطة للتنافس حول البرامج والقدرة على إقناع الناخبين، خصوصاً في ظل تنامي العزوف وعدم الثقة في السياسة والفاعلين السياسيين.
لكن عندما تصبح التزكية في حد ذاتها هدفاً، فإن النقاش ينتقل من سؤال: ماذا سيقدم المرشح للمواطن؟ إلى سؤال: أي حزب سيمنحه فرصة أكبر للفوز؟
ومن هنا تبرز ظاهرة الانتقال السريع بين الأحزاب، حيث يمكن أن يجد المواطن نفسه أمام مرشح يغير انتماءه السياسي كلما تغيرت فرصه الانتخابية.
وهي ظاهرة تطرح سؤالاً أكبر حول معنى الانتماء الحزبي، وحول الحدود الفاصلة بين حرية الاختيار السياسي وبين تحويل السياسة إلى وسيلة للترقي الانتخابي وتحقيق المصالح الشخصية.
حين تصبح السياسة “سوقاً”
الصورة التي يرسمها الرمضاني في تدوينته تبدو أكثر حدة عندما يشبه الوضع بمزاد انتخابي كبير، تتحول فيه التزكية إلى سلعة، ويصبح التنافس حول المرشحين شبيهاً بالتنافس داخل سوق تبحث فيه الأحزاب عن “المنتوج” الانتخابي الأكثر قدرة على تحقيق المقاعد.
ولا يتعلق الأمر، بالضرورة، بالمال وحده، بل يمكن أن تكون “العملة” وعداً بالتزكية، أو موقعاً داخل التنظيم، أو دعماً انتخابياً، أو ضماناً لترشيح معين.
ومن هنا تأتي المفارقة: فبدل أن تكون الانتخابات مناسبة لتجديد النخب السياسية وتعزيز المشاركة الديمقراطية، قد تتحول إلى مناسبة لإعادة تدوير الوجوه نفسها، أو لاستقطاب أشخاص لا يجمعهم بالحزب سوى الرغبة في خوض الانتخابات تحت مظلته.
المواطن هو الحلقة الأضعف
المشكلة لا تتوقف عند حدود الأحزاب نفسها، لأن انعكاساتها تصل مباشرة إلى المواطن.
فالناخب الذي يُطلب منه المشاركة والتصويت واختيار ممثليه، يحتاج إلى برامج واضحة، ومرشحين يحملون مشاريع سياسية واجتماعية واقتصادية قابلة للنقاش والمحاسبة.
أما إذا اختُزلت العملية في التزكيات والولاءات والتحالفات الانتخابية، فإن المواطن يصبح أمام مشهد يصعب فيه التمييز بين مشروع سياسي وآخر، وبين مرشح ينطلق من قناعة سياسية ومرشح يبحث فقط عن فرصة انتخابية.
وهنا يتعزز العزوف، وتتعمق الفجوة بين المواطن والمؤسسات الحزبية، ويصبح فقدان الثقة نتيجة طبيعية لمسار لا يجد فيه الناخب ما يكفي من الأسباب لإقناعه بأن صوته قادر على إحداث الفرق.
رهانات الوطن أكبر من حسابات المقاعد
وتزداد حساسية هذا النقاش في ظرفية وطنية دقيقة، تتداخل فيها رهانات دبلوماسية واقتصادية واجتماعية، وتواجه فيها البلاد تحديات تتطلب مؤسسات سياسية قوية وأحزاباً قادرة على التأطير والتعبئة واقتراح الحلول.
ففي الوقت الذي تحتاج فيه الديمقراطية المغربية إلى جيل جديد من النخب السياسية، وإلى خطاب قادر على استعادة ثقة الشباب والمواطنين، فإن استمرار الممارسات التي تختزل السياسة في الانتخابات والمقاعد والتزكيات قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً.
جيل جديد من المغاربة أصبح أكثر تشككاً في الخطاب السياسي التقليدي، وأكثر ميلاً إلى مساءلة الأحزاب حول حصيلتها ومشاريعها وقدرتها على تقديم حلول ملموسة. ولذلك فإن إعادة بناء الثقة لا يمكن أن تتم بالشعارات وحدها، وإنما عبر تغيير حقيقي في طريقة اشتغال التنظيمات السياسية.
أزمة الأحزاب أم أزمة ممارسة سياسية؟
الانتقاد الذي يطرحه الرمضاني يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل المشكلة في الأحزاب باعتبارها مؤسسات، أم في ممارسات سياسية جعلت بعضها يفقد جزءاً من وظيفته الأصلية؟
فالحزب القوي ليس هو الذي يجمع أكبر عدد من المرشحين فقط، وإنما الذي يستطيع إنتاج الأفكار، وتكوين الأطر، وتأطير المواطنين، وإقناع الناخبين ببرنامجه، ثم تحمل مسؤولية ما وعد به.
أما الحزب الذي لا يتذكر المواطن إلا في موسم الانتخابات، ولا يبحث عن الكفاءات إلا عندما تقترب لحظة التزكيات، فإنه يخاطر بتحويل العمل السياسي إلى مجرد عملية انتخابية موسمية.
الحاجة إلى إعادة الاعتبار للسياسة
في النهاية، لا يبدو أن الحل يكمن في اختفاء السياسة، وإنما في استعادة السياسة لمعناها الحقيقي.
المطلوب أحزاب تتنافس على البرامج لا على الأشخاص فقط، وعلى الأفكار لا على التزكيات، وعلى خدمة المواطن لا على عدد المقاعد. والمطلوب أيضاً مرشحون ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها مسؤولية عامة، لا مجرد فرصة للظفر بمقعد.
لقد أصبح إصلاح الممارسة الحزبية جزءاً أساسياً من إصلاح الحياة الديمقراطية نفسها. فكلما ابتعدت الأحزاب عن التأطير والاقتراح والتكوين، اقتربت السياسة من منطق السوق، وكلما اقتربت من المواطن وبرامجه وانتظاراته، استعادت جزءاً من الثقة المفقودة.
وتبقى الرسالة الأساسية التي تثيرها تدوينة رضوان الرمضاني واضحة: الديمقراطية لا تُبنى بكثرة المرشحين، ولا بعدد التزكيات، ولا بحجم المقاعد، وإنما بأحزاب قوية، وبرامج واضحة، ونخب تؤمن بأن السياسة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً.