أحداث المجتمع

تبديد الرأسمال اللامادي وهندسة البطالة البنيوية: قراءة في غياب التخطيط التشريعي وعزلة المُشرّع عن عبقرية الهوامش

بقلم : وليد مشتكي / متابعة: صوت العدالة

​إن معيار قوة الدول الحديثة في منظومة العلاقات الدولية – ولمواكبة عالم يسير بسرعتين – لا يُقاس بحجم البنية التحتية المادية فحسب، بل بمدى قدرتها على استثمار وتثمين عقول أبنائها باعتبارها الرأسمال اللامادي الأسمى.
​وفي غمرة هذا التحول الاستراتيجي الذي تقوده المؤسسة الملكية برؤية متبصرة، تقف المنظومة التشريعية والحكومية عاجزة عن التقاط الإشارات الاستراتيجية؛ إذ يلاحظ المتأمل في هندسة الميزانيات وتوجيه الاستثمارات وجود هوة سحيقة بين الإنفاق المالي الضخم ونسب البطالة المرتفعة. وهو ما يثبت علمياً وقانونياً أن الخلل البنيوي لا يكمن في كفاءة المواطن، بل في طريقة تدبير الميزانيات وافتقار السياسات العامة لأبجديات الاستشراف الفقهي والسياسي.
​إن هذه المقاربة التشريعية التقليدية المتسمة بعدم استيعاب الواقع واستشراف المستقبل، أغفلت إحدى أخطر الثغرات الاجتماعية والفكرية: إقصاء تلامذة وطلبة المناطق النائية والهوامش المعوزة، الذين ينخر الفقر أجسادهم لا عقولهم. وبفعل هذا الجمود، تتحول المؤسسة التشريعية إلى بيئة طاردة للذكاء الوطني، ومصنعٍ غير مباشر لتوليد العطالة وتبديد الطاقات.
​أولاً: العجز الاستشرافي للسياسات العمومية وإشكالية “الفقر المادي والغنى الفكري”
​يتجلى القصور التشريعي في أوضح صوره عندما تعجز السياسات العمومية عن وضع نصوص قانونية وبرامج إلزامية تحتضن العقول المتفوقة في المناطق النائية. فالواقع الاجتماعي المرير يضع التلميذ النجيب المنحدر من أسرة هشة أمام عوائق جغرافية ومادية تجعل تجاوزه لمباريات ولوج المدارس العليا ضرباً من المستحيل المادي، لا المعرفي:
​عائق التنقل والتكاليف المالية: يعجز الطالب المتفوق في البيئات النائية عن توفير مصاريف التنقل والسكن لاجتياز امتحانات القبول في المدن الكبرى، في ظل وضعية معيشية صعبة لأسرته، مما يضطره للمفاضلة بين مواصلة التحصيل العلمي أو الانخراط في الشقاء اليومي لتوفير لقمة العيش.
​قصور آليات الدعم الاجتماعي وتأخر المساعدات: تتيح الدولة “المنحة الدراسية” لكن بمنطق بيروقراطي متثاقل؛ حيث يتأخر صرفها ولا تغطي التكاليف الحقيقية للسكن والمعيشة. يعكس هذا القصور عجز المشرع عن إحاطة الطالب المتفوق بالرعاية الكافية، مما يتطلب إدراج هؤلاء المتفوقين في منصات ورعايات استثنائية لضمان عدم هدر طاقاتهم.
​ثانياً: الفجوة الرقمية وهجرة العقول كحلول بديلة لبطالة السياسات التشريعية
​في عالم تدار قطاعاته بالخوارزميات والتقنيات الحديثة، فإن قصور التفكير التنموي لدى النخب التشريعية يتسبب في تفويت فرص استثمارية تاريخية؛ إذ إن الاستثمار في أبناء المناطق المعوزة هو الكفيل بقطع دابر البطالة وتجفيف منابع الجهل. ومن هنا، يتعين معالجة هذه الثغرة قانونياً وإجرائياً عبر تفعيل التوصيات الاستراتيجية التالية:
​مأسسة “أقسام المعلوميات المتقدمة في الهوامش”: إلزام وزارة التربية الوطنية قانونياً بتوفير قاعات إعلاميات متقدمة ومجهزة بالإنترنت في كل ثانوية تأهيلية بالمناطق النائية، وتخصيصها لتطوير مهارات الطلبة المتفوقين المعوزين.
​إنشاء منصة رقمية دولية للتوجيه والمنح: تمكين الطلبة المتفوقين عبر نظام رقمي إلزامي من التقديم المباشر على المعاهد والجامعات الدولية التي تبحث عن الكفاءات؛ مما يختصر تعقيدات المساطر المحلية ويجنب الطالب العوائق اللوجستية الداخلية.
​استراتيجية “تثمين الكفاءات بالخارج واستثمار عائداتها”: إن تسهيل التحاق هؤلاء الطلبة بالجامعات والمؤسسات الدولية يقلل من عبء البطالة المباشرة، ويصنع كفاءات قادرة مستقبلاً على العودة لتأطير الوطن، أو دعمه بالخبرات الميدانية والتحويلات المالية، وتوجيه الاستثمار نحو الاتجاه الصحيح.
ثالثاً: تغيير الواقع التشريعي وإعادة وضع شروط الترشيح والمسؤولية
​إن السؤال المؤلم الذي يطرحه الكثيرون: “لماذا تضيع فرص الاستثمار وتزداد نسبة البطالة؟” يجد إجابته القانونية في كيفية وصول بعض غير المتخصصين إلى مراكز القرار التشريعي والإداري، في ظل غياب أو تغييب المثقفين والخبراء الحقيقيين. وقد اعتاد المشرّع الحالي على حل المشكلات السطحية فقط، دون القدرة على التفكير المستقبلي والتخطيط الاستراتيجي.
​بناءً على ذلك، يؤكد المتخصصون في القانون أن الخروج من أزمة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي، ومواكبة رؤية الدولة القوية، يتطلبان ثورة تشريعية تُغير معايير الوصول إلى البرلمان ومناصب القرار، وذلك من خلال:
​اشتراط الكفاءة والوعي الرقمي: فرض معايير علمية عالية للترشح والعمل التشريعي؛ فمن لا يفهم آليات العصر الرقمي والعلاقات الدولية والإدارة المالية الحديثة، لا ينبغي أن يتولى تقرير مصير الأمة.
​منع تضارب المصالح: إبعاد النفوذ المالي والمال السياسي عن صناعة القوانين، حتى يتولى أهل الاختصاص صياغة تشريعات تحمي الضعفاء قبل القوي، وتستثمر في كفاءات أبناء عامة الشعب باعتبارهم الثروة الحقيقية للدولة.
​خاتمة وتوصيات
​نخلص من هذا التحليل إلى أن إصلاح حاضر المغرب وبناء مستقبله يرتبطان بـ إصلاح الفكر التشريعي وتجديد نخبه.
​إن إهمال أبناء الفقراء المتفوقين ودعمهم تقنياً ودولياً يعد خطأً تنموياً كبيراً يُهدر جهود الدولة الاستثمارية. كما أن الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتق أصحاب العلم تقتضي فتح المجال أمام النخب العلمية والفقهية القادرة على هندسة قوانين حديثة. وبذلك يتحول التعليم والاستثمار في الإنسان إلى المحرك الأساسي للقضاء على البطالة، والحفاظ على استقرار الوطن، وضمان مكانة المغرب في العالم المعاصر.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.