أخبار وطنية

تشديد مرتقب على توظيفات الجماعات الترابية.. الداخلية تعيد ترتيب قواعد التعيين

صوت العدالة- الرباط

تتجه وزارة الداخلية إلى إعادة تشديد ضوابط مراقبة عمليات التوظيف والتعيين داخل الجماعات الترابية، في خطوة تعكس تنامي الحاجة إلى إحكام تدبير الموارد البشرية، خصوصاً في ما يتعلق بالمناصب العليا ومناصب المسؤولية التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة محط نقاش وانتقادات داخل عدد من المجالس الجماعية.
ويأتي هذا التوجه في سياق نقاش أوسع حول حكامة الموارد البشرية بالجماعات الترابية، ومدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص والاستحقاق في عمليات التوظيف والتعيين، خاصة بعدما أثيرت، خلال دورات عدد من المجالس، معطيات وتصريحات تتحدث عن وجود ممارسات غير سليمة في تدبير بعض المناصب.
مناصب المسؤولية تحت المجهر
وأعادت النقاشات التي شهدتها بعض المجالس الجماعية طرح سؤال جوهري حول الطريقة التي يتم بها تدبير المناصب العليا ومناصب المسؤولية، ومدى خضوعها لمعايير موضوعية بعيدة عن الاعتبارات الشخصية أو الانتخابية.
وفي إحدى دورات مجلس جماعي بجهة الرباط–سلا–القنيطرة، أثارت تصريحات حول وصول قيمة أحد المناصب إلى نحو 8 ملايين سنتيم جدلاً واسعاً، وفتحت الباب أمام مطالب بضرورة التحقق من حقيقة هذه المعطيات، وترتيب الآثار القانونية والإدارية في حال ثبوت أي تجاوز.
ولا يعني تداول مثل هذه المعطيات ثبوت المخالفات، غير أن خطورتها تكمن في تأثيرها المباشر على الثقة في الإدارة المحلية، وعلى صورة الوظيفة العمومية ومبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين.
الداخلية أمام اختبار الحكامة
وتضع هذه التطورات وزارة الداخلية أمام مسؤولية مزدوجة: فمن جهة، يتعين ضمان حاجة الجماعات إلى موارد بشرية مؤهلة وقادرة على مواكبة الاختصاصات المتزايدة الملقاة على عاتقها، ومن جهة أخرى، فرض رقابة فعالة تمنع تحويل التوظيف والتعيين إلى مجال للمحاباة أو استغلال النفوذ.
وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى أن الجماعات الترابية تعاني أصلاً من تفاوت في الكفاءات والموارد البشرية، وهو ما يجعل أي تأخير غير مبرر في معالجة ملفات التوظيف ينعكس بشكل مباشر على قدرتها على تنفيذ برامجها وتقديم خدماتها للمواطنين.
لماذا تتشدد الوزارة في التأشير؟
ويطرح تشديد المراقبة على بعض ملفات التوظيف والتعيين سؤالاً أساسياً حول الدوافع الفعلية وراء هذه الإجراءات، خصوصاً في ظل حاجة الجماعات إلى سد الخصاص في عدد من المصالح والتخصصات.
فإذا كان الهدف هو معالجة اختلالات محتملة، فإن الأمر يتطلب توضيحاً أكبر للمعايير المعتمدة في دراسة الملفات، حتى لا تتحول الرقابة إلى مجرد تعطيل للإجراءات، بل إلى آلية لضمان النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وكان وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، قد سبق أن أثار أمام المؤسسة التشريعية إشكالية تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية، في سياق الحديث عن ضرورة ترشيد النفقات وتحسين مردودية الموظفين، وهي إشكالية ترتبط بشكل مباشر بقدرة الجماعات على تحقيق التوازن بين حاجياتها من الكفاءات وبين الإمكانيات المالية المتاحة لها.
بين الحاجة إلى الكفاءات ومحاربة المحاباة
وتبدو المعادلة اليوم واضحة: الجماعات بحاجة إلى موظفين وأطر ومسؤولين مؤهلين، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بضمان أن يتم الولوج إلى هذه المناصب وفق قواعد واضحة وقابلة للمراقبة.
ومن هنا، فإن أي تشديد للرقابة ينبغي أن يواكبه توحيد أكبر للمساطر، وتسريع دراسة الملفات المستوفية للشروط، مع إخضاع الحالات التي تثير شبهة أو تتوفر بشأنها مؤشرات جدية على وجود اختلالات للتدقيق والتحقيق.
فالرهان لا يتعلق فقط بمنح التأشير على التوظيفات، وإنما بإرساء ثقافة جديدة في تدبير الموارد البشرية المحلية، يكون فيها معيار الكفاءة والاستحقاق هو المحدد الأساسي، بعيداً عن الولاءات والحسابات الانتخابية.
وفي انتظار اتضاح طبيعة الإجراءات التي قد تعتمدها وزارة الداخلية، يبقى ملف التوظيفات والتعيينات داخل الجماعات الترابية مرشحاً لمزيد من النقاش، خصوصاً أن أي اختلال في هذا المجال لا ينعكس فقط على الموظفين والمرشحين للمناصب، وإنما يمس بصورة مباشرة ثقة المواطن في الإدارة الترابية وفي مبدأ المساواة أمام الوظيفة العمومية.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.