أخبار وطنية

​بين الرؤيا والواقع : حكمة “الضمانة” والعدالة التوزيعية في الصفقات العمومية والرقمنة الذكية .

بقلم الباحث : وليد مشتكي

​تقديم : مرآة المنام ونشاط الاستبصار القانوني .
​تتجاوز بعض الرؤى الصادقة حدود الإسقاط النفسي العابر لتقترب من كونها قراءة استباقية لواقع معقد؛ فحين تتزامن رؤيا مع أوقات السحر وصلاة الفجر (أو عقب الاستيقاظ لصلاة الصبح مع مشاعر التقصير والتضرع والاستغفار)، وتستحضر رمزية رمز تاريخي للحكمة والدولة كالملك الراحل الحسن الثاني – رحمه الله – فإنها تدعو للوقوف عند أبعادها التوجيهية وتفكيك دلالاتها. إن المقاربة بين مضامين هذه الرؤيا وبين إشكاليات الواقع العملي تعكس تقاطعاً عميقاً بين مبدأ الحزم القانوني الشخصي وبين ضرورة صياغة سياسات عمومية تُحقق التوازن المالي والعدالة التوزيعية وتكافح الفساد المنظم.
​أولاً: التأصيل الشرعي والقانوني لرمزية “الضمانة”
​تجلت البوصلة التوجيهية للرؤيا في لحظة فارقة حين جاء صديق يطلب سلفة مالية، وفي ظل وجود ضائقة مالية ذاتية، كادت العاطفة أن تغلب لمساعدته بإعطائه نصف المبلغ المطلوب، حتى تدخلت الحكمة الملكية الصارمة بشرط قاطع: “أعطِ لي ضمانة ما ستأخذه”؛ وهو ما أدى إلى انسحاب الطرف الآخر لغياب الضمانة، ليتلو ذلك المشي مع المرحوم ومخاطبته بعبارات الرفعة والانتساب الرمزي لرجال الحكمة والدولة (“أنت ابني”، “أنا أمير”)، والانتقال إلى مكان مليء بالأطفال.
​إن هذا التوجيه يُطابق تماماً المقاصد الشرعية والقواعد القانونية المنظمة للالتزامات والعقود (الفصل 1170 وما يليه من قانون الالتزامات والعقود المغربي المتعلق بالرهن والضمانات)، ويُرسخ قاعدة أساسية: “لا تبرع ولا تساهل في الذمة المالية على حساب الحقوق”. فالتعاطف المالي المجرّد من الضمانات القانونية يؤدي إلى إرهاق الذمة المالية للفاعل الاقتصادي ويُعرضه لمخاطر المعسِرين. ومن ثمّ، فإن خروج الفرد من أزماته المالية الذاتية وقضاء ديونه يقتضي العودة إلى صرامة النص القانوني، ورهن المعاملات بالوثائق القاطعة، وتأجيل أي مشاركة أو التزام حزبي وسياسي إلى حين استعادة التوازن المالي والاستقلالية المادية التامة.
​ثانياً: التكييف القانوني لمنظومة الصفقات العمومية ومفارقة “حظ المقاولة”
​بالانتقال من التحليل الذاتي إلى التقييم المؤسساتي للسياسات العمومية، تُشكل الصفقات العمومية (وفق المقتضيات التنفيذية لمرسوم الصفقات العمومية رقم 2.22.431) أداة استراتيجية للدولة لتحريك عجلة الاقتصاد وتوزيع الطلب العمومي. وتنقسم طرق اختيار النائل للصفقة أساساً إلى مسارين:
​مسار العرض المالي الأدنى (Prix le plus bas): ويُعتمد في الصفقات التوريدية والأشغال النمطية ذات التحديد المسبق للمواصفات.
​مسار العرض الاقتصادي الأفضل والمتوازن (Mieux disant / Offre économiquement la plus avantageuse): ويُعتمد في الصفقات المركبة التي تتطلب التوازن والجمع بين الجودة التقنية والسعر.
​لكن الاختلال العملي يبرز عندما تكون هناك مقاولة واحدة “محظوظة” توفق قانونياً وتقنياً في الحصول على الصفقات في كلا النوعين معاً (الأقل ثمنًا والعرض الأفضل)، لتكرر فوزها ومراكمتها للسيولة والاطمئنان المالي حتى تصل لمرحلة التخمة والاكتفاء الذاتي (حيث يصبح أصغر موظف فيها يمتلك سكناً وسيارة)، في مقابل مقاولة أخرى يجانبها “الحظ” دائماً بالرغم من نزاهتها ومصداقيتها، لتجد نفسها مطوقة بالعسر ومستدرجة قسراً نحو الإفلاس والعجز عن توفير أدنى مقومات العيش لمالكها وأجرائها (حيث لا يجد مديرها حتى سيارة أو مسكناً).
​ثالثاً: التشبيه الأسري وتصريح والي بنك المغرب أمام صاحب الجلالة
​هنا يتجلى دور الدولة والحكومة والملك بمفهوم “الأب والأم والرعاية العادلة والشاملة لشعبهم”؛ فإذا كانت الأسرة الواحدة إذا فضلت الابن المتفوق أو القوي جسدياً وميزته بكل الثروة ووجهت له كل الموارد والإمكانيات، فإنها تحكم تلقائياً على باقي الأبناء (بنات وأبناء ضعاف البنية أو الفكر) بالضياع والدمار والفقر، وهو منطق يجافي العدالة الأبوية والمؤسساتية.
​وهذا الخلل الهيكلي في توزيع الفرص هو بالضبط ما جسده تصريح السيد والي بنك المغرب أمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، حين وضع الأصبع على المفارقة المتقاطعة بين “ارتفاع حجم الاستثمارات ومواصلة البطالة لمنحناها التصاعدي دون توقف”. إن الاستثمار موجود والثروة متوفرة، لكن الخلل يكمن في “ميلان الاستثمار” وتوجيهه إلى غرفة واحدة أو طرف واحد محظوظ، بدلاً من تقسيمه بطريقة متوازنة تتيح لكل فرد ومقاولة الاكتفاء والحرية المالية وتوسيع الوعاء الضريبي للدولة.
​رابعاً: الجريمة في حق الإنسانية والدولة: “شركات الأشباح والتلاعب المقاولاتي”
​لا يقتصر الاختلال على مسألة “الحظ” أو ثغرات النصوص التنظيمية فحسب، بل يتعداه إلى ثغرة قاتلة وجريمة في حق الدولة والإنسانية يرتكبها بعض أرباب المقاولات؛ حيث يعمد الفاعل المتلاعب إلى تأسيس عدة شركات صورية بأشخاص مستعارين (من العائلة أو الأصدقاء) مع التكتم على المالك الحقيقي، وتصريح بعمالة وهمية (“أشباح”) لإيهام المنظومة بوجود منافسة شريفة والتفافاً على خوارزميات التقييم الشكلي الحالية.
​إن هذا التلاعب يُعد سرقة موصوفة لأموال الدولة وجيوب الشعب؛ لأنه يحرم مقاولات حقيقية من حقها في الشغل، ويحرم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) والخزينة العامة من الموارد الضريبية الحقيقية التي كان يفترض أن تُنعش القوة الشرائية للمواطنين وتضمن الاستقرار الاجتماعي.
​خامساً: الحل الخوارزمي الذكي وشرطة الرقمنة القضائية
​لمواجهة هذا المخطط الإجرامي وإعادة القطار إلى سكته، يجب الارتقاء بالرقمنة لتكون منظومة ذكاء اصطناعي كاشفة للتلاعب ومحققة للعدالة، عبر المحاور العملية التالية:
​الاعتماد على المعايير الميدانية الحقيقية: ألا يُكتفى باسم الشركة أو سجلها التجاري الخالي، بل يُربط تصنيف المقاولة ومشاركتها في الصفقات الكبرى بمعايير الأقدمية الفعلية، وعدد العمال المصرّح بهم في الضمان الاجتماعي، وحجم المعاملات الحقيقي الموثق لدى إدارات الضرائب لتصفية الشركات الصورية.
​تأطير الشركات الجديدة وسقف التنافسية (20% – 30%): وضع نظام حصص خاص بالمقاولات الناشئة الصادقة بحصر مشاركتها في نسبة من الصفقات (بين 20% و30%) لتتنافس فيما بينها، ومتى أثبتت جدارتها وتطورها الميداني تترقى خوارزمياً إلى فئات الصفقات الأعلى.
​التأهيل المزدوج للمورد البشري المشرف (قانون وإعلاميات): إسناد إدارة وتطوير هذه الخوارزميات الذكية لأطر وكفاءات عالية التكوين تجمع بين الإجازة في القانون والإجازة في المعلوماتية، ممن يمتلكون الحس القانوني والتقني للكشف عن الشبكات المعقدة للشركات الصورية.
​تأسيس “الشبكات الرقمية القضائية”: إحداث شبكات رقمية تابعة تنظيمياً لـ المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالتنسيق المباشر مع وزارة العدل، وتحت الرعاية السامية لراعي العدالة والقاضي الأول صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لتتولى هذه الهيئة المزدوجة المراقبة والتحري التلقائي والكشف الرقمي عن التقاطعات في الملكية والأشخاص والمصالح الملتوية.
​سادساً: إصلاح معايير الانتقاء القضائي للتخصص التجاري
​على هذا الأساس، بات حرياً بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية إعادة النظر في معايير الانتقاء والانتقاء التمهيدي للامتحان، وذلك باشتراط الحصيلة العلمية المزدوجة – كالحصول على الإجازة في القانون والإجازة في المعلوماتية/الذكاء الاصطناعي (Informatics) على الأقل – لكوكبة من الملحقين القضائيين الموجهين للتخصص التجاري والأعمال.
​إن هذا التكامل الميداني والتقني يُعد الركيزة الأساسية للتحقق من الواقعية الميدانية للنزاعات المعقدة، وفي مقدمتها تشخيص “صعوبات المقاولات” ولتمهيد الطريق نحو تمحيص الدلائل والروافد الرقمية المحتجة بها، للوقوف على مدى جديتها وحقيقتها بدقة علمية بعيداً عن التضليل أو الاختلالات التي قد تفرضها أساليب التزييف وحلول الذكاء الاصطناعي.
​خاتمة
​تأسساً على هذه الرؤية بين رؤيا الملك الحسن الثاني رحمه الله وتوجيهات الملك محمد السادس نصره الله الحالية، وبين الرؤية في المنام الملكية والتطبيق الفعلي في الحياة العادية، يجب على الحكومة اتخاذ موقف حازم وإبداء رؤية ثاقبة تقودها الكفاءات والخبرات المقتدرة لترسيخ الرقمنة الشاملة والذكاء الاصطناعي الكاشف للفساد، ووضع حد نهائي لهذه المناورات الإجرامية وتكريس العدالة التوزيعية للثروة الوطنية بما يصون كرامة كل مواطن ومقاولة في هذا الوطن العزيز.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.