أحداث المجتمع

طلب تفويت عقارات عمومية بعين الشق يعيد الجدل حول تدبير أملاك الدولة ومستقبل المرافق العمومية

لم تكد تداعيات هدم مستودعات تجار مواد البناء بمنطقة عين الشق تخفت، حتى عاد ملف العقار العمومي بالمنطقة إلى واجهة النقاش من جديد، عقب الإعلان عن طلب لإبداء الاهتمام يتعلق باقتناء قطع أرضية بشارع الخليل، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات بشأن آليات تدبير أملاك الدولة، ومصير المرافق العمومية، ومستقبل الأنشطة الاقتصادية التي ظلت قائمة بالمنطقة منذ عقود.
ويأتي هذا المستجد في سياق يعتبره عدد من التجار والفاعلين المحليين امتداداً لملف هدم مستودعات بيع مواد البناء، الذي خلف، وفق تصريحاتهم، انعكاسات اجتماعية واقتصادية بعد تنفيذ عمليات الهدم دون توفير بدائل للمستغلين، وهو ما دفعهم إلى الربط بين الملفين، معتبرين أن المنطقة تعرف تحولات عمرانية واستثمارية تستوجب مزيداً من الشفافية وإشراك مختلف المتدخلين في القرارات المرتبطة بمستقبلها.
ووفق الوثائق المتداولة، يهم طلب إبداء الاهتمام إنجاز منطقة خدماتية بشارع الخليل، تضم بنايات يتراوح ارتفاعها بين خمسة وثمانية طوابق (R+5 إلى R+8)، تحت إشراف شركة “كازا إسكان”، وذلك في إطار مشروع يقدم باعتباره يهدف إلى تشجيع الاستثمار، وإحداث مشاريع خدماتية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الدينامية الاقتصادية بالمنطقة.
ورغم ذلك، يؤكد عدد من الفاعلين المحليين والمتضررين أنهم لا يعارضون الاستثمار ولا يقفون ضد المشاريع التنموية، بل يعتبرونها رافعة أساسية لتنشيط الاقتصاد المحلي، غير أنهم يشددون على أن التنمية المستدامة تقتضي احترام مبادئ الحكامة الجيدة، وضمان الشفافية في تدبير العقار العمومي، وصيانة المال العام، والحفاظ على حقوق الساكنة والمرافق العمومية التي تشكل جزءاً من التوازن العمراني والاجتماعي لعين الشق.
وتثير الوثائق المتداولة، بحسب المهتمين بالملف، عدداً من الملاحظات، أبرزها عدم الإعلان عن ثمن افتتاحي واضح للقطع الأرضية المعنية، وهو ما يعتبرونه معطى يستوجب التوضيح بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لهذه العقارات وقيمتها العقارية المرتفعة.
ويرى متابعون أن الإشكال لا يرتبط بمبدأ الاستثمار في حد ذاته، وإنما بضرورة توفير الضمانات الكفيلة بحماية المال العام، من خلال اعتماد منافسة شفافة وتحديد قيمة عادلة للعقار العمومي بما يحقق أفضل مردودية لفائدة الدولة ويضمن تكافؤ الفرص بين المستثمرين.
وفي هذا السياق، يطرح المتضررون والمهتمون بالشأن المحلي عدداً من التساؤلات، من بينها: ما القيمة التي سيتم على أساسها تفويت هذه العقارات؟ وما المعايير التي ستؤطر العملية؟ ومن هم المستفيدون المحتملون؟ وهل جرى إشراك الساكنة والمنتخبين في مناقشة مشروع ستكون له آثار مباشرة على مستقبل المنطقة؟
ولا يقتصر الجدل على العقار العمومي، بل يمتد إلى مستقبل المرافق العمومية المبرمجة بشارع الخليل، إذ كان هذا الشريط العقاري مخصصاً، وفق معطيات محلية، لإنجاز فضاءات رياضية وترفيهية ومناطق خضراء لفائدة الساكنة. كما سبق للمقاطعة، خلال الولاية السابقة، أن أبرمت اتفاقية مع الشركة المسيرة للقناة المائية لإنجاز مشاريع من هذا القبيل، فيما انتهت أشغال إنجاز ملعب الخليل قبل أشهر قليلة.
وأعاد الإعلان عن طلب إبداء الاهتمام طرح تساؤلات حول مصير هذه المشاريع، وما إذا كانت ستظل مخصصة للاستعمال العمومي أم ستفسح المجال أمام مشاريع عقارية وتجارية، وهو ما دفع عدداً من الفاعلين إلى الدعوة إلى اعتماد مقاربة تنموية متوازنة توفق بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على المرافق العمومية والفضاءات الرياضية والخضراء.
ويتقاطع هذا النقاش مع ملف هدم مستودعات تجار مواد البناء، الذين يؤكدون أن ما جرى لا يمكن فصله عن التحولات التي يشهدها العقار بعين الشق، خاصة بعد فقدانهم مقرات مزاولة نشاطهم دون توفير بدائل، نافين ما يروج بشأن استغلالهم غير القانوني للعقارات، ومؤكدين أنهم يتوفرون على عقود كراء قانونية تخص مستودعات تابعة للأملاك المخزنية، وأنهم أنجزوا الإصلاحات داخلها بناء على تراخيص إدارية موثقة.
وحسب المعطيات المتوفرة، فقد تم سنة 1983 تمكين عدد من المستفيدين من استغلال هذه المستودعات في نشاط بيع مواد البناء والتجهيزات، مقابل أداء واجبات الكراء والالتزام بالمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.
ويؤكد التجار أن نشاطهم التجاري يمارس بشكل قانوني ومنظم منذ أكثر من أربعة عقود، وأنهم ظلوا ملتزمين بأداء واجبات الكراء والضرائب والرسوم، فضلاً عن احتفاظهم بالوثائق والعقود التي تثبت العلاقة القانونية التي تربطهم بالإدارة.
كما أوضحوا أن الرخص المتعلقة بأشغال البناء والتعمير التي حصلوا عليها لا تعفي بطبيعة الحال من استصدار التراخيص الأخرى التي قد تقتضيها طبيعة الأشغال، معتبرين أن ذلك يعكس التزامهم بالمساطر القانونية المعمول بها.
ويرى التجار أن الإشكال الأساسي لا يقتصر على قرار الهدم في حد ذاته، وإنما يتعلق بتنفيذه دون توفير بدائل تضمن استمرارية الأنشطة الاقتصادية، مشيرين إلى أن فقدان المستودعات أدى إلى المساس بمصدر رزق عشرات الأسر، وأثر بشكل مباشر على مئات العمال والمستخدمين الذين كانوا يرتبطون بهذه الأنشطة.
وفي هذا الإطار، يؤكد المتضررون أن مطالبهم لا ترمي إلى معارضة تطبيق القانون أو عرقلة الاستثمار، وإنما إلى اعتماد مقاربة تشاركية تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وتوفر حلولاً بديلة قبل تنفيذ قرارات مماثلة، بما يحفظ استقرار الأسر ويضمن استمرارية النشاط الاقتصادي.
كما جدد التجار دعوتهم إلى فتح حوار مباشر مع السلطات المحلية والولائية، معتبرين أن الحوار يظل السبيل الأمثل للوصول إلى حلول توافقية تحقق التوازن بين احترام القانون، وتشجيع الاستثمار، وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمتضررين.
ويؤكد أصحاب هذه المطالب أن هدفهم يتمثل في ترسيخ مبادئ الشفافية في تدبير العقار العمومي، وإشراك الساكنة والمنتخبين والفاعلين المحليين في بلورة المشاريع الكبرى قبل تنزيلها، بما يضمن تحقيق تنمية متوازنة تراعي المصلحة العامة.
ويخلص المتضررون والفاعلون المحليون إلى أن منطقة عين الشق بحاجة إلى نموذج تنموي يوفق بين تشجيع الاستثمار وصيانة أملاك الدولة، والحفاظ على المرافق العمومية وضمان حقوق الساكنة والتجار، بما يجعل التنمية رافعة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، لا سبباً لتفاقم الاحتقان.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.