حان الوقت لإنقاذ الفضاء الرقمي من التفاهة
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي
في الوقت الذي تحولت فيه مواقع التواصل الاجتماعي إلى واحدة من أكثر الوسائل تأثيرًا في تشكيل وعي الأفراد وتوجيه الرأي العام، أصبحت في المقابل منصة مفتوحة أمام موجة غير مسبوقة من المحتويات السطحية التي لا تقدم للمجتمع أي قيمة معرفية أو تربوية أو ثقافية. بل إن جزءًا كبيرًا منها بات يكرس الرداءة ويغذي ثقافة التفاهة على حساب الإبداع والفكر.
إن المتصفح اليوم يصطدم يوميًا بسيل من الفيديوهات والمنشورات التي لا تحمل رسالة، ولا تقدم فائدة، ولا تسهم في تنمية قدرات الشباب أو صقل مواهبهم. وأصبح تحقيق نسب المشاهدة والربح السريع هدفًا لدى بعض صناع المحتوى، حتى وإن كان الثمن هو الإساءة إلى الذوق العام وإضعاف منظومة القيم الأخلاقية والدينية التي يقوم عليها المجتمع المغربي.
ومن أكثر الجوانب إثارة للقلق، استغلال صورة المرأة وجسدها كوسيلة لجذب المتابعين وتحقيق الأرباح، في مشاهد تختزل المرأة في بعدها الجسدي، وتنتقص من كرامتها ومكانتها، بدل إبراز دورها الحقيقي كشريك في التنمية وصناعة المستقبل. إنها ممارسات تسيء للمرأة قبل أن تسيء للمجتمع، وتدفع بالأجيال الصاعدة إلى تبني نماذج بعيدة عن قيم الاحترام والجدية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى تقييد حرية التعبير، فهي حق دستوري لا جدال فيه، وإنما بالبحث عن توازن يحمي الحرية من الانزلاق إلى الفوضى والإساءة. فحرية التعبير لا تعني نشر كل ما يضر بالمجتمع أو يحرض على الانحلال أو يسيء إلى الأخلاق العامة.
لقد أصبح من الضروري فتح نقاش وطني حول مسؤولية المنصات الرقمية وصناع المحتوى، مع التفكير في آليات قانونية وتنظيمية أكثر فاعلية لمواجهة المحتويات الضارة، وتشجيع الإنتاج الرقمي الهادف الذي يعزز المعرفة، وينشر الثقافة، ويحفز على الإبداع والابتكار.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تشمل الأسرة والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، إلى جانب المستخدم نفسه، الذي يملك سلطة المقاطعة وعدم التفاعل مع المحتويات الهابطة، لأن استمرار انتشارها مرتبط أساسًا بالإقبال عليها.
إن حماية المجتمع، وخاصة فئة الشباب، من الانحدار الأخلاقي والثقافي لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة تفرضها التحولات الرقمية المتسارعة. فالمجتمعات لا تُبنى بالمحتوى التافه، وإنما تُبنى بالعلم، والثقافة، والإبداع، واحترام القيم الإنسانية. وبين الحرية والمسؤولية، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء فضاء رقمي يليق بصورة المغرب وقيمه وهويته.