أخبار وطنية

وليد المشتكي يكتب: نحو هندسة تخصصية لمهنة المحاماة في ظل السيادة الرقمية وتحديات البيئة التشريعية المغربية

يوسف العيصامي: صوت العدالة

​يعيش المشهد القضائي المغربي اليوم على وقع نقاشات محتدمة حول عصرنة قطاع العدالة وإصلاح منظومة المحاماة. وبينما تتجه الرؤى الحكومية نحو اشتراط التمكن من اللغات الأجنبية التقليدية مدخلاً للتحديث، يرى خبراء في القانون الرقمي والأنظمة السيبرانية أن هذا الطرح يغفل معطى استراتيجياً حاسماً: لغة المستقبل الرقمي ليست بلاغية ولا أدبية، بل هي لغة خوارزمية.
​إن الانتقال نحو “العدالة الرقمية” وحماية السيادة المعلوماتية للمملكة يفرضان إعادة نظر جذرية في المنظومة المفهومية والهيكلية لمهنة المحاماة، للتقاطع بين متطلبات التشريع الوطني، والالتزامات الدولية، والتطور التقني المتسارع.
​أولاً: من “المحامي المترجم” إلى “المنطق الخوارزمي”.. التحدي الرقمي للعدالة
​تُظهر الممارسة العملية أمام المحاكم أن التحول الرقمي لا يعني مجرد رقمنة المساطر والإجراءات، بل يمتد إلى طبيعة الدليل القضائي. فالجرائم السيبرانية، وقضايا البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، تعتمد على شفرات المصدريين (Source Code) وبروتوكولات تشفير تُكتب وتُفهم بـ “الإنجليزية التقنية” والمنطق الرياضي.
​الروشنة القانونية-التقنية:
لم تعد العدالة بحاجة إلى محامٍ يقتصر دوره على الترجمة اللغوية للوثائق، بل إلى كفاءات مزدوجة تجمع بين تكوين قانوني صلب (إجازة في القانون على الأقل) ودبلوم متقدم في تطوير الإعلاميات والأمن السيبراني. إن هذا الجمع بين التكوينين هو الكفيل بفك شفرات الأدلة الرقمية المعقدة التي تعجز عنها الخلفيات الكلاسيكية.
​ثانياً: شرط السن ومؤشرات التنافسية الدولية.. تعارض بين النص والواقع
​تطرح مسألة تسقيف سن الولوج لمهنة المحاماة (في حدود 45 سنة) إشكالاً قانونياً واقتصادياً يمس بالتزامات المغرب الدولية:
​معيار النضج السيبراني: في الأنظمة المقارنة (كدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD)، تُعتبر الخبرة في التشريع المعلوماتي والأمن الرقمي نتاج تراكم مهني طويل. فالقدرة على تدريب أزمات الاختراق وحماية النظم لا تتأتى عادة في سن مبكرة.
​جلب الاستثمار الأجنبي والتحكيم الدولي: يتحدد مؤشر تنافسية الدولة بمدى قدرة نظامها القضائي وهيئاتها الدفاعية على حماية البيانات الحساسة للشركات متعددة الجنسيات. وإن إقصاء الكفاءات المتقدمة في السن يحرِم المنظومة الوطنية من خبراء قادرين على الترافع في قضايا التحكيم الدولي الرقمي.
​الملائمة الحقوقية: يتطابق مقترح إلغاء تسقيف السن مع توصيات مجلس المنافسة المغربي الداعية إلى رفع العوائق غير البرهانية أمام دخول الكفاءات لسوق الخدمات القانونية.
​ثالثاً: المقترح الهيكلي: إحداث “الشعب التخصصية” لمواكبة العصر
​لتجاوز نموذج “المحامي الشامل” الذي بات متجاوزاً بفعل التخصص الدقيق، أضحي من الضروري بمكان مأسسة مهنة المحاماة عبر إحداث شعب تخصصية تضمن الكفاءة وتحقق العدالة الاستيعابية:
. شعبة فقه الأسرة والمعاملات المدنية الكلاسيكية
​النطاق والاستهداف: تُفتح لحاملي شهادات الحقوق (المسارات الأدبية) وخريجي كليات الشريعة.
​الغاية الاستراتيجية: استثمار التخصص المعمق في مقاصد الشريعة، ومدونة الأسرة، والمواريث، والقانون المدني. وهو ما يضمن صيانة الأمن الأسري والمجتمعي، ووضع هذه الكفاءات في بيئتها التخصصية الطبيعية.
​2. شعبة الجرائم الإلكترونية، الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي
​النطاق والاستهداف: تُخصص حصرياً لحاملي الشهادات المزدوجة (قانون + معلوماتيات/خوارزميات).
​الشرط الاستراتيجي: الإلغاء التام لشرط السن الأقصى للالتحاق بهذه الشعبة؛ استجابة للمعايير الدولية التي تجعل من السن المتقدم مؤشراً على مراكمة الخبرة والتحكم التقني، بما يخدم السيادة الرقمية للمملكة.
​خاتمة
​إن مراجعة قوانين المحاماة في المغرب لم تعد مجرد مطلب فئوي أو تنظيمي، بل هي ضرورة استراتيجية ترتبط بموقع المغرب في الاقتصاد الرقمي الدولي وبقدرته على حماية أمنه المعلوماتي. إن الانتقال من “التحديث اللغوي الأدبي” إلى “الهندسة التخصصية الخوارزمية” هو الخيار الأمثل لبناء جهاز دفاعي يجمع بين أصالة الفقه القانوني وحداثة العصر الرقمي.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.