أحداث المجتمع

مراقد تربية الدجاج بدوار العونات جماعة واد النعناع اقليم سطات تهدد صحة الساكنة وتثير موجة من الاحتجاجات بسبب خروقات قانونية فادحة ونفوذ مريب.

بقلم: د. إيمان بوسويف.

في تطور خطير يكشف عن تجاوزات قانونية وبيئية وصحية في إقليم سطات، رفع سكان دوار العونات أولاد يحيى، التابع لجماعة وادي النعناع بقيادة رأس العين دائرة بن أحمد الجنوبية، شكاية مستعجلة إلى كافة السلطات الإدارية والأمنية والقضائية المختصة، يتهمون فيها المالك والمشغل الفعلي لمشروع مراقد تربية الدواجن الكائن بنفس المنطقة، بارتكاب مخالفة قانونية جسيمة ومكشوفة للعيان، تتمثل في مباشرة نشاط هذا المشروع الفلاحي والبيئي الخطير واستغلاله فعلياً وتجارياً، دون الحصول على شهادة المطابقة المنصوص عليها في المادة 55 من القانون المتعلق بالتعمير، وهو ما يشكل تجاوزاً صريحاً للقواعد القانونية الزجرية المنظمة للبناء والاستغلال، وخرقاً فاضحاً لمبادئ السلامة الصحية والبيئية والأمن الجماعي التي يحميها القانون الجنائي والقوانين الخاصة على حد سواء.

ووفقاً لمحتوى الشكاية التي تلقاها كل من رئيس جماعة وادي النعناع، ووزير الدولة في الداخلية، ووزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، والمدير العام للمكتب الوطني للسلامة الصحية، ووالي جهة الدار البيضاء سطات، وعامل صاحب الجلالة على إقليم سطات، ورئيس دائرة بن أحمد الجنوبية، وقائد قيادة رأس العين، ومدير الوكالة الحضرية سطات، ومدير المكتب الوطني للسلامة الصحية سطات، فإن صاحب هذه المراقد قد شرع في ممارسة نشاط مراقد تربية الدواجن واستغلالها بكامل طاقتها، رغم عدم استصداره شهادة المطابقة من لدن السلطة المحلية المختصة، وهي الشهادة التي تعتبر، وفق أحكام المادة 55 من القانون المذكور، شرطاً جوهرياً وركناً قانونياً أساسياً لأي استعمال فعلي للمباني التي لا تكون مخصصة حصراً للسكنى، ويترتب على مخالفة هذا الشرط، وبحكم القانون، بطلان أي ترخيص أو رخصة كانت قد منحت له لممارسة نشاطه دون الحصول على شهادة المطابقة، وهو ما يجعل المشروع بكامله في وضعية غير قانونية تستوجب الوقف الفوري والإغلاق الإداري، إلى حين تصحيح الأوضاع واستيفاء المساطر القانونية.

وفي هذا السياق، كشف السكان في شكايتهم أن سبب حرمان هذا المشروع من شهادة المطابقة، وعدم استجابته للشروط القانونية الموجبة لها، يرجع بالأساس إلى وجود خروقات بنيوية وخطيرة لقانون التعمير ومقتضيات التهيئة الترابية، من بينها تقارب المراقد بشكل يتجاوز المسافات الأدنى المقررة في النصوص التنظيمية الجاري بها العمل، وتشييد بعض المنشآت المكونة للمشروع على أراض تابعة للملك العمومي العام دون سند قانوني واضح، وعدم تطابق البنايات المقامة مع التصاميم الهندسية والمخططات التنظيمية المعتمدة، مما يجعله مشروعاً خارج الإطار القانوني برمته وغير قابل للترخيص في وضعه الراهن، وهو ما يفسر إصرار صاحبه على استغلاله دون تقيد بالقانون، في تحد سافر لإرادة القانون وللسلطات الإدارية المختصة.

وأشارت الشكاية إلى ما استقر عليه اجتهاد محكمة النقض المغربية من مبادئ قانونية راسخة في مجال التعمير، حيث أكدت في قرار لها أن انتهاء الأشغال ليس مجرد شكلية، بل هو عملية تترتب عليها إجراءات محددة قانوناً، كما ذهبت في قرار آخر تحت عدد 1/566 بتاريخ 31 مارس 2016 في الملف الإداري رقم 2014/1/4/2680، الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض والمنشور بنشرة قانونية موضوعاتية عن وزارة الداخلية، إلى اعتبار أن مخالفات التعمير لا تخضع للتقادم، مما يؤكد استمرار المسؤولية القانونية عن مثل هذه المخالفات وعدم سقوطها بمضى الزمن، وبالتالي فإن استمرار هذا المشروع في وضعية عدم المطابقة يظل معرضاً للمتابعة والزجر في أي وقت.

لكن الأخطر من ذلك، وفقاً لما تناقلته أوساط السكان المحلية، هو أن صاحب المشروع يدعي علناً أنه يتمتع بنفوذ قوي على مستوى عمالة إقليم سطات، مما يجعله في منأى عن أي مساءلة قانونية، ويؤكد أنه قادر على خرق القانون دون حاجة إلى الالتزام بشواهد المطابقة، مستنداً في ذلك إلى علاقات قوية تجمعه بالسيد عامل إقليم سطات حسب تصريحه للسكان،، وإلى نفوذ واسع له داخل المصلحة الإقليمية البيطرية، التي منحته الترخيص رغم عدم توفره على شهادة المطابقة الأساسية، متحدياً بذلك كافة القوانين والأنظمة، ومصرحاً بأن الشكايات التي تقدم بها السكان لن توقفه أو تثنيه عن مواصلة نشاطه غير القانوني.

هذا التجاهل الصارخ للقانون، وهذا الاستعلاء غير المبرر، يأتي في وقت تعاني فيه ساكنة دوار العونات من تداعيات كارثية على صحتهم وبيئتهم، حيث أكد السكان في شكايتهم أنهم يقيمون في موقع إحداثياته الجغرافية الدقيقة X318249 و 269154، بينما يقع المشروع المعني في موقع إحداثياته 318045 X و 269105، مما يعني أن المسافة الفاصلة بين المسكنين تكاد تكون معدومة، الأمر الذي يضعهم وأفراد أسرهم، ومن بينهم أبناؤهم الذين في سن التمدرس، وممتلكاتهم الحيوانية، في دائرة تأثير مباشر وآني وخطير لهذا المصدر الثابت والمستمر للتلوث البيئي والصحي.

ولم تقتصر الأضرار على الجانب القانوني فحسب، بل امتدت لتطال الصحة العامة بشكل ملموس ومستمر، حيث ينجم عن هذه المراقد انبعاث روائح كريهة ونفايات صلبة وسائلة عالقة، بالإضافة إلى ضجيج مزعج ومستمر، كل هذه العوامل تؤثر سلباً وبشكل ملموس على الصحة البدنية والنفسية للساكنة، وجودة حياتهم اليومية، وسكينة المنطقة واستقرارها، فضلاً عن تهديد سلامة المحيط الطبيعي والفلاحي المجاور. وقد تجاوزت الروائح الكريهة المنبعثة من تربية الدجاج الحدود المعقولة، مما أدى إلى تلوث الهواء بشكل لافت، وإصابة أغلب السكان بمرض الحساسية، وخصوصاً الأطفال والشيوخ والنساء والمسنين، الذين يعتبرون الفئات الأكثر هشاشة وتأثراً بهذه الملوثات.

وفي هذا الإطار، يستند السكان في شكايتهم إلى ما نصت عليه القواعد القانونية المتقدمة في القانون البيئي من مبدأ الحيطة والحذر، وضرورة مراعاة مسافة الأمان بين المواقع الصناعية أو الفلاحية ذات المخاطر الصحية وبين مساكن السكان، وهو ما تؤكده مبادئ فقه القانون البيئي الذي يرفض ما يسمى بالتأثير الخارجي السلبي الذي يطال الآخرين بلا سند قانوني مشروع. كما أن القانون المغربي، من خلال ما استقر عليه اجتهاد محكمة النقض من مبادئ في مجال المسؤولية عن الأضرار البيئية، ونظام تقييم الأثر البيئي لكافة المشاريع، وكذلك مبادئ التشريع العام والالتزامات الدولية التي صادق عليها المغرب، وخاصة تلك المتعلقة بحقوق الإنسان في بيئة سليمة، تكفل لكل متضرر الحق في الاعتراض والتظلم أمام القرار الإداري المتعلق بمنح التراخيص أو توسيع المشاريع التي من شأنها المساس بحقوق الساكنة.

لكل هذه الأسباب الجوهرية والمترابطة، أعلن السكان في شكايتهم، بكل حزم وقوة، معارضتهم الكاملة لاستمرار تشغيل هذا المشروع في وضعه غير القانوني، والتمسوا من السلطات التنفيذية المختصة، بصفتها السلطة الأولى، التصدي لهذه المخالفات، وبصفة عاجلة وفورية، اتخاذ الإجراءات الجازمة التالية، حفاظاً على الحق العام والحق الخاص، وحماية للصحة العامة والسكينة العامة، وذلك بإيفاد لجنة تقنية وإدارية مختصة في أقرب الآجال إلى عين المكان للقيام بمعاينة ميدانية دقيقة وشاملة لكافة الخروقات والمخالفات العمرانية والبيئية المرتكبة في هذا المشروع، وحصرها في محضر رسمي مع إرفاقه بالصور والوثائق والإحداثيات الجغرافية، وذلك تمهيداً لاتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية الزجرية المناسبة.

كما طالبوا باتخاذ جميع التدابير القانونية، وفي مقدمتها الأمر الفوري بوقف الأشغال والنشاط بالموقع، ومنع أي استغلال للمشروع، وإغلاقه إدارياً فوراً إلى حين تسوية وضعه القانوني بشكل كامل ومطابق للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، مع تحميل المخالف كامل المسؤولية القانونية والمالية المترتبة عن ذلك، فضلاً عن إشعار كافة المصالح الخارجية المختصة، وعلى رأسها النيابة العامة، وباقي المصالح المختصة، قصد اتخاذ ما يلزم كل منها في حدود اختصاصاته، وضمان التنسيق والمتابعة المستمرة في هذا الملف ذي الأهمية القصوى، عملاً بروح القانون ومقاصده السامية، وتجنباً لتحميل السكان أعباء أخطار كانوا في غنى عنها لو تم الالتزام بالمعايير القانونية والبيئية المرعية.

أضف تعليقاً

لن يُنشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *.